فخر الدين الرازي
250
القضاء والقدر
الفصل الثامن في قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ « 1 » قالوا : هذا إنما يتم على قولنا : إن للعبد فعلا وتصرفا . لأن الاستعانة والإعانة لا يعقلان إلا في القادر على الفعل . أما إذا لم يكن له فعل ، فكيف تعقل الاستعانة ؟ وهل يجوز أن يقال : إياك أستعين في طولي وفي قصري ، وفي خلق السماء والأرض ؟ ولما لم يجز ذلك علمنا : أن الاستعانة هي طلب المعونة على ما يقدر العبد عليه ، ويحصل من جهته . وأيضا : فقوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ : نص في كون العبد فاعلا لهذا الطلب . فوجب كونه مستقلا بالفعل . قال أهل السنة والجماعة : هذه الآية من أدل الدلائل . لأن الآية تدل على طلب الإعانة وهذه الإعانة إما أن تكون عبارة عن تحصيل نفس الإيمان أو عبارة عن تحصيل الإعانة على العبادة والأول باطل ويدل عليه وجهان : الأول : إن كل ذلك حاصل . وطلب الحاصل عبث . الثاني : إن على هذا التقدير تكون هذه الإعانة إعانة في تحصيل القدرة بالآلة وإزالة الموانع ، لا في نفس العبادة . والآية دالة على أن المطلوب في هذا الدعاء هو تحصيل الإعانة على العبادة . لأنه ذكر العبادة أولا في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا يدل على أن المطلوب هو الاستعانة فيما تقدم ذكره . وهو العبادة . فثبت : أن المطلوب في هذه الآية هو الإعانة في نفس العبادة . ولا بد وأن تكون لقدرة اللّه تعالى أثر في نفس تلك العبادة . ومتى كان ذلك ، امتنع أن يكون لقدرة العبد فيها أثر . لما بينا أن اجتماع المؤثرين على الأثر الواحد : محال . فعبارة هذه الآية دالة على قولنا من هذا الوجه . واللّه أعلم الفصل التاسع في قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على قولنا من وجهين : الأول : إن قوله : « اهدنا » : طلب . وهذا تصريح بكون العبد فاعلا لهذا الطلب . الثاني :
--> ( 1 ) أنظر تفسير إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ في تفسير الرازي 1 / 242 - 254 .